محمد بن محمد ابو شهبة

253

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

أنفسكم وأموالكم . فأبوا ، فتراموا بالنبل ، ثم أمر رسول اللّه المسلمين فحملوا حملة رجل واحد ، فقتل منهم عشرة ، وأسر سائرهم ، ولم يقتل من المسلمين إلا هشام بن صبابة ، قتله أحد الأنصار خطأ ظنا أنه من الأعداء ، وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة : ألفي بعير ، وخمسة آلاف شاة ، هذا عدا السبايا من النساء والأسارى من الرجال ، وكان شعار المسلمين يوم المريسيع ( يا منصور : أمت أمت ) . تصرف نبوي حكيم وكان بنو المصطلق من أعز العرب دارأ وأشرفهم نسبا ، وأسر نسائهم على هذه الحال مما يترك في نفوسهم ونفوس حلفائهم جراحا لا تندمل ، وحزازات لا تنسى ، والعربي يهون عليه المال مهما غلا ، ولكن لا يهون عليه أن ينال في عرضه ، أو تخدش كرامته وشرفه ، لذلك لم يرتح قلب النبي الكبير لما تمّ من سبي واسترقاق ، وفكر ثم فكر ، حتى تفتّق العقل الكبير عن هذا التصرف الحكيم . فقد كانت من السبايا يومئذ جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق ، وقد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس ، أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسها ، فأتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقالت : يا رسول اللّه أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ، فوقعت في السهم لثابت بن قيس أو لابن عم له فكاتبته « 1 » على نفسي ، فجئت أستعينك على كتابتي .

--> ( 1 ) أي على أن يعتقها نظير مال ، وروي أن النبي لم يجعلها في سهم أحد تكرمة لها حتى قدم أبوها بعد في فدائها بإبل ، فلما بلغ العقيق غيّب بعيرين من الفداء ضنّا بهما ، فلما قدم على الرسول قال له : « أين البعيران اللذان غيبتهما في شعب كذا » ؟ فلم يملك الرجل نفسه أن شهد شهادة الحق وقال : واللّه ما اطلع على ذلك إلا اللّه ، وأسلم معه ابنان له وناس من قومه ، وأرسل في طلب البعيرين فدفع الإبل ، وسلمت إليه ابنته ، فأسلمت فخطبها رسول اللّه من أبيها فزوجه إياها ، وأيا كان الأمر فقد منّ الصحابة على من بأيديهم من قومها لمصاهرة رسول اللّه فيهم . سيرة ابن هشام ج 2 ص 295 .